ابراهيم رفعت باشا
134
مرآة الحرمين
بقي من حكمة استلام الحجر وتقبيله ما اعتمده الصوفية فيها أخذا مما ورد في بعض الأحاديث الضعيفة كحديث ابن عباس « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه » رواه الطبراني ، فقالوا : وهو أنه رمز لمبايعة اللّه تعالى فكأن الحجر يمين اللّه تعالى ، ومستلمه مبايع له على توحيده والإخلاص له واتباع دينه الحق ، والأعمال الرمزية معروفة في جميع الأديان الإلهية . وقال المهلب : حديث عمر يرد على من قال إن الحجر يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده - ومعاذ اللّه أن تكون للّه جارحة - وإنما شرع تقبيله اختبارا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع ، وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم اه . وليس مراد من قال إنه يمين اللّه أن للّه جارحة ، وإنما أراد ما ذكرنا ، والعمدة في ردّ هذا القول عدم صحة الحديث فيه ، فان صح وجب قبوله ومعناه ظاهر ، وقال الخطابي : معنى كونه يمين اللّه في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند اللّه عهد ، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به فخاطبهم بما يعهدونه . وقال المحب الطبري : إن كل ملك إذا قدم عليه الوفد قبل يمينه ، فلما كان الحاج أوّل ما يقدم سن له تقبيله نزل منزلة يمين الملك وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى اه . ولعمري لو أن ملوك الإفرنج وعلماءهم أمكنهم أن يشتروا هذا الحجر العظيم لتغالوا في ثمنه تغاليا لا يتغالون مثله في شئ آخر في الأرض ، ولوضعوه في أشرف مكان من هياكل التحف والآثار القديمة عندهم ، ولحج وفودهم إلى رؤيته وتمنى الملايين لو تيسر لهم لمسه واستلامه ، وناهيك بمن يعلم منهم تاريخه وكونه من وضع إبراهيم أبى الأنبياء عليهم السلام وأنهم ليتغالون فيما لا شأن له من آثار الملوك أو الصناع . هذا وأن من مقاصد الحج النافعة تذكر نشأة الاسلام دين التوحيد والفطرة في أقدم معابده وإحياء شعائر إبراهيم التي طمستها وشوهتها الجاهلية بوثنيتها فطهرها اللّه ببعثة ولده محمد الذي استجاب اللّه به دعوته رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ عليهما الصلاة والسلام . روى